يقع مقام النبي داود في الجنوب الغربي لمدينة القدس الشريف بالقرب من باب الخليل بجوار السور. وهو مكون من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: هو مسجد النبي داود، فيه ضريح (يقال أنه للنبي داود) وله مئذنة ومحراب وعلى واجهته كتابة بالخط النسخي تفيد بأن من أمر بتنظيف المكان وبناء مسجد فيه هو السلطان العثماني سليمان القانوني في مستهل شهر ربيع الأول سنة 930 هجرية/7 كانون الثاني 1524 ميلادية. وقد تم البناء على يد شيخ الشيوخ الشمسي محمد الأعجمي الواعظ. شارك في الإشراف على البناء الشيخ أحمد الدجاني، الذي أصبح أولاده وأحفاده القائمين على المسجد والمقام حتى سنة 1947 حين وقعا في منطقة الحرام بين اليهود والعرب، وفي سنة 1967 استولى اليهود على المسجد والمقام، وحولوه كنيسًا وحرموا المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية فيه.
القسم الثاني: الطابق الثاني وفيه حسب الرواية المسيحية غرفة أسموها غرفة العشاء الأخير حيث قام السيد المسيح بتناول العشاء الأخير مع تلاميذه قبل صلبه. وقد اقترحت أوساط يهودية على البابا في روما السيطرة على هذه الغرفة رغم وجود محراب إسلامي للصلاة .
القسم الثالث: عقارات لعائلة الدجاني، ومقبرة إسلامية قديمة.
لم يقم دليل على أن المقام له علاقة باليهود، وإنما هو مشهد إسلامي صرف وتدل على ذلك الكتابات والنقوش العربية وقد اخترت لكم النقش التالي الذي ما زال على واجهة المسجد:
(بسم الله الرحمن الرحيم أمر بتطهير هذا المكان وتنظيفه من المشركين وعمله مسجدًا يذكر فيه اسم الله سلطان الأنام ناصر دين الإسلام خادم البيت الحرام منشئ العدل والأمان السلطان بن السلطان السلطان سليمان من آل عثمان، أيد الله الإسلام بحياته، على يد مولانا شيخ الشيوخ الشمسي محمد العجمي الواعظ أجرى الله الخيرات على يديه ورحم والديه بتاريخ نهار الخميس مستهل ربيع الأول سنة ثلاثين وتسعمائة والحمد لله وحده)
ومستهل ربيع الأول سنة 930 هجرية/ يقابلها 7 كانون الثاني 1524 ميلادية
بعد عام 1967م احتل الصهاينة مدينة القدس، وسموا الجبل الذي عليه المسجد والمقام بجبل صهيون، وحول الاحتلال المسجد إلى كنيس يهودي، واضعين عليه رموزهم وعلى الضريح غطاء عليها كتابات بالعبرية. لكن المكان لا يزال يحتفظ بملامحه الإسلامية التي شيدت في العهدين المملوكي والعثماني حتى اليوم.
يقوم المقام عن بناية حجرية قائمة في وسط الحي وهي مؤلفة من طابقين علوي وسفلي وفي الطابق السفلي مسجدان كبير وصغير وعلى جدرانها آيات من القرآن الكريم، وفي العلوي ردهة واسعة تقع فوق المسجد الكبير وهي ذات عقود مصلبة.
ومكان المسجد موقع هام مقدس لدى المسلمين والمسيحيين واليهود. ويعكس تاريخ الموقع وتبادل السيطرة عليه من قِبل أتباع الأديان السماوية الثلاثة جانباً من الخلاف العميق الدائر حوله.
بدأ تطور الموقع بكنيسة عُرفت باسم "الكنيسة الصغيرة لله"، ولكن ما لبث أن أسست مكانها في القرن الرابع أو الخامس الميلادي كنيسة أخرى عُرفت باسم كنيسة الرسل "الحواريين" لتخليد العشاء الأخير. وبعد ذلك، وُسِّعت هذه الكنيسة وغيِّر اسمها ليصبح "كنيسة صهيون، أم كل الكنائس". وعلى إثر الغزو الفارسي للقدس في عام 614، أحرقت هذه الكنيسة وأصيبت بضرر كبير. وقام الفرنجة الفرنسيسكان في القرن السادس ببناء دير لهم على جبل النبي داود. كما بنوا في الموقع مبنى من طابقين: الأرضي لذكرى غسل الأرجل، والعلوي لتخليد العشاء الأخير.
اهتم المسلمون بالموقع، فأضافوا في العهد الأيوبي في عام 615- 616 / 1219 محراباً إلى القاعة السفلية حيث قبو النبي داود . كذلك سمح المسلمون للمسيحيين بالاستمرار في زيارة القاعة العلوية حيث مكان العشاء الأخير. واستطاع الفرنسيسكان لاحقاً الحصول على موطئ قدم لهم في جبل النبي داود، وأقاموا بعض الأبنية برعاية السلطة المملوكية. وبعد أن بدأ اليهود بالاهتمام بقبر داود ونسبة القبر المجهول في القاعة السفلية إلى النبي داود، ظهر في العصر المملوكي خلاف كبير على الموقع بين طائفة من اليهود والمسيحيين المحليين، ورُفع هذا الخلاف إلى عدد من السلاطين المماليك للبت فيه. ولم يقتصر الخلاف على المقيمين في القدس من كلا الفريقين، بل تدخلت فيه قوى خارجية، مما جعل السلطة المملوكية تتذبذب في اتخاذ قرار حاسم تجاه الفريقين. وأدى استمرار الصراع في العصر العثماني وعدم إيجاد حلّ له إلى تفاقم المشكلة. وعلى إثر ذلك، قام السلطان سليمان القانوني في عام 930 / 1524 بطرد الرهبان الفرنسيسكان من الموقع وتحويله إلى مسجد وموقع إسلامي. ومنذ ذلك الوقت وحتى عام 1948عندما استولت عليه وزارة الأديان الإسرائيلية، بقي الموقع بأيدي المسلمين وبرعاية مستمرة من قِبل عائلة الدجاني المقدسية. وأجريت تغييرات عديدة في الموقع رغم أنه خاضع لحالة الوضع الراهن. ولا يزال الموقع موضع خلاف، وإن كان يقع تحت السيطرة التامة للمتدينين اليهود، ولكن قاعة العشاء الأخير مفتوحة للزوار في الوقت الحالي.
المقام عبارة عن مجمع معماري كبير يتكون من عدة أبنية وقاعات، ويُستعمل جزء كبير منه حالياً كمدرسة دينية يهودية. وللمجمع ثلاثة مداخل، ويحتوي على ثلاث ساحات مكشوفة وثلاث مساجد. وقد حوِّل المسجد القائم في الطابق السفلي إلى كنيس، والمسجد الثاني هو مكان قاعة العشاء الأخير، والمسجد الثالث مغلق. ويوجد في الموقع مئذنة مشرفة بنيت على الطراز العثماني. ويحتوي الموقع أيضاً على مقبرة تاريخية لذريّة آل الدجاني، وعلى عدة زوايا إسلامية تعود إلى العصر العثماني. وتمتع الموقع طيلة العصر العثماني بقائمة أوقاف غنية سمحت باستضافة عدد كبير من الزوار، وكان موضع رعاية أغلب السلاطين العثمانيين.