يُعدّ مسجد بئر السبع الكبير من أوائل المساجد التي بُنيت في منطقة النقب، ويقع إلى جانب منزل في البلدة القديمة، كما يُعتبر جزءًا من مجمع متحف النقب للفنون. ويمتاز بتصميم معماري مُشابه للمساجد التي شُيّدت في مختلف أنحاء الإمبراطورية العثمانية، وهو مستوحى من كنيسة آيا صوفيا البيزنطية التي حوّلها الأتراك إلى مسجد. ويُعدّ المسجد من أبرز المباني وأكثرها روعة وإثارة للإعجاب في المنطقة، إذ تنسجم مئذنته الحجرية وقبته البيضاء مع الطراز المعماري للبيوت العربية القديمة، ويُشكّل أحد أهم المعالم المعمارية الباقية من العصر العثماني.
يقع مسجد بئر السبع الكبير في مركز مدينة بئر السبع القديمة، وهو مُحاط بمبنى السرايا، ومدرسة أبناء مشايخ بدو بئر السبع، وبيت المؤرخ عارف العارف.
بناء المسجد
عند بدء بناء المسجد، كلّف القائمقام، حاكم المقاطعة العثمانية، التنفيذَ مقاولًا عربيًا محليًا من أعيان المدينة، إلا أن المسجد لم يُبنَ بالشكل الذي يرضيه، فأمر بتفكيكه، وأحضر مهندسًا معماريًا مسيحيًا من القدس لإعادة تصميم المسجد والإشراف على بنائه.
يُعدّ المسجد الكبير في بئر السبع نموذجًا للمساجد التركية التي بُنيت في أنحاء الإمبراطورية العثمانية آنذاك، حيث يشمل هذا الطراز مبنىً كاملًا تحت سقف واحد مُقبّب، مستوحى من كنيسة آيا صوفيا البيزنطية في إسطنبول، التي حوّلها الأتراك إلى مسجد. وقد بُني المسجد عام 1906، تزامنًا مع بناء مدينة بئر السبع بصفتها عاصمة جنوب فلسطين على يد العثمانيين، لتكون حلقة وصل بين غزة والخليل.
شارك سكان مدينة بئر السبع وأبناء القبائل البدوية في تكلفة بناء المسجد، حيث ساهموا بمبلغ 400 ليرة عثمانية من مجمل التكلفة البالغة 1000 ليرة عثمانية، وتحملوا ظروف الصحراء القاسية ومشقة الطريق لجلب الحجارة على ظهور الجمال، ليصبح المسجد واحدًا من المساجد التاريخية الأنيقة.
تمتاز المساجد التركية بقبة عظيمة ذات مساحة كبيرة تحتها، وتغمر المبنى إضاءة طبيعية من خلال النوافذ الكبيرة المثبتة في الجدران، ما يمنح إحساسًا بالاتساع. ومن السمات الأخرى لهذا الطراز المئذنة النحيلة التي تنتهي بقبة تشبه المخروط. غير أن المسجد الكبير في بئر السبع لا يُعدّ مثالًا نموذجيًا كاملًا لهذا الطراز، إذ إن قبته صغيرة نسبيًا، والنوافذ الثمانية في قاعدة القبة ليست كبيرة الحجم، ولا تُضفي رشاقة على مظهرها. ومع ذلك، وباعتباره أول مسجد والوحيد من نوعه في النقب، فقد قوبل المبنى بالإعجاب، وتُعدّ مئذنته من أجمل المآذن.
كانت أحجار البرج تُجلب على ظهور الإبل من أنقاض الخَلَصَة القريبة من بئر السبع، وكانت حجارتها تُعدّ ذات جودة عالية. وفي عام 1934، وصف عارف العارف المسجد في كتابه بأنه “غاية في الإتقان من الوجهة الهندسية”.
بعد قيام إسرائيل
في عام 1948، عام النكبة التي حلّت بالشعب الفلسطيني، احتلّ الجيش الإسرائيلي النقب خلال عملية “يوآف”، ومع تهجير أبناء مدينة بئر السبع، لم يُستخدم المسجد للصلاة، بل استُخدم سجنًا ومقرًا للشرطة، ثم حُوّل لاحقًا إلى محكمة صلح حتى عام 1953. بعد ذلك، جرى تحويله إلى ما يُسمّى “متحف النقب” حتى عام 1991، قبل أن يُغلق ويصبح محيطه مرتعًا لمدمني المخدرات والكحول.
في عام 2002، وبعد مسار طويل من المطالبة بفتحه للصلاة أمام بدو النقب المسلمين الذين يتواجدون يوميًا في مدينة بئر السبع، قدّم مركز عدالة التماسًا إلى محكمة العدل العليا للمطالبة بفتح المسجد لأداء الصلاة وممارسة الشعائر الدينية. إلا أن المحكمة العليا قررت تحويل المسجد إلى متحف مخصص للحضارة الإسلامية وشعوب الشرق الأوسط، وهو قرار لقي قبولًا من بلدية بئر السبع التي عملت على تحويله إلى متحف.
أقامت البلدية في ساحة المسجد عددًا من المهرجانات الغنائية، إضافة إلى مهرجان النبيذ عام 2012، ما أثار غضب أهالي المدينة المسلمين، الذين يُقدّر عددهم بنحو 9000 نسمة، إلى جانب بدو النقب عمومًا، حيث نظّموا وقفات احتجاجية وأدّوا صلوات يوم الجمعة في محيطه، تأكيدًا على هوية المسجد وحقهم في ممارسة شعائرهم الدينية.
كانت قضية مسجد بئر السبع محور دراسة أجراها يتسحاك رايتر وليئور لهرس، والتي فحصت بصورة نقدية موقف السلطات الإسرائيلية من المساجد في المدن ذات الغالبية اليهودية، ومطالب المواطنين المسلمين في إسرائيل بإعادة هذه المساجد إلى غرضها الأصلي. وقد شكّل الصراع حول وظيفة مسجد بئر السبع دراسة حالة لفحص هذه المسألة.
ولهذا الغرض، طُوّر إطار نظري يُعرف باسم “التمثيل الانتقالي”، يدعو إلى الحفاظ على معالم التراث الديني والثقافي، وإعادتها تدريجيًا إلى أفراد الأقلية القومية المرتبطة بها، مع مراعاة مصالح الأغلبية، بما يلبّي الحاجة إلى تغيير إجرائي ينسجم مع التحولات الديموغرافية والاجتماعية والسياسية. وفي ختام الدراسة، قدّم الباحثان توصيات للسلطات الإسرائيلية وصنّاع السياسات العامة، من شأنها الحد من النزاعات العنيفة، وتوفير استجابة حسّاسة ومستقرة لجميع الأطراف المعنية.