طبق فلسطيني تقليدي مشهور في الخليل: القدرة الخليلية
طبق من مدينة الخليل تقليدي قديم، يطبخ في أفران خصيصة لهذا الغرض حتى غدت حرفة متقنة ومهنة لها أربابها، يأتي الناس بللحمة أو الدجاج للفرن الذي يقوم بطبخها حسب الأصول وتسليمها لهم.
القدرة الخليلية نشأت في مدينة الخليل قبل مئات السنين، ويُرجّح أن جذورها تعود إلى العهد المملوكي أو العثماني حين كان الطهو في القدور الفخارية والأفران الحجرية جزءاً من الحياة اليومية، إذ كانت البيوت تعتمد على الأفران الجماعية في الحارات لطهو الطعام بكميات كبيرة. مع الزمن طوّر أهل الخليل هذا الأسلوب في الطهي ليبتكروا طبق القدرة الذي يجمع الأرز والحمص واللحم والسمن البلدي، ويطهى في القدر الفخاري على نار هادئة داخل الأفران البلدية. في البداية ارتبطت القدرة بالمناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى مثل شهر رمضان والأعراس والمواسم الزراعية، ثم تحولت إلى طبق يومي حاضر في بيوت المدينة وأسواقها. ومنذ القرن التاسع عشر بدأ اسم القدرة الخليلية يشيع في محيط الخليل ثم في مدن فلسطين الأخرى، حتى أصبحت رمزاً تراثياً يرتبط بالمدينة تماماً مثل الزجاج والخزف وصناعة الأحذية.
القدرة الخليلية واحدة من أبرز الأكلات التراثية الفلسطينية التي ارتبط اسمها بمدينة الخليل حتى أصبحت علامة مميزة لها، وتعود جذورها إلى عصور قديمة حيث كان الاعتماد على الحبوب واللحوم المطهوة في أوانٍ فخارية شائعاً في المطبخ العربي والإسلامي منذ العهد العباسي والمملوكي، غير أن أهل الخليل طوروا هذه الوصفة لتصبح طبقاً جامعاً للضيافة والمناسبات. ومع مرور الزمن أصبحت القدرة مرتبطة بالهوية الاجتماعية والاقتصادية للمدينة، فهي تقدم في الأعراس والمآتم والمواسم الدينية كرمز للكرم والتكافل.
تطبخ القدرة الخليلية عادة في قدور نحاسية كبيرة توضع في الأفران التقليدية الحجرية التي يشتهر بها أهل الخليل. مكوناتها الأساسية هي الأرز البلدي واللحم البلدي وخاصة لحم الغنم، ويضاف إليها الحمص المسلوق والسمن البلدي والبهارات المميزة كالكركم والقرفة والفلفل الأسود، مما يمنحها لوناً ذهبياً ورائحة زكية. يوضع الأرز والحمص في قاع القدر ثم تضاف قطع اللحم والسمن والمرق، ويغطى القدر ويترك ليتمازج على نار هادئة حتى ينضج ويأخذ الطابع الخاص المعروف.
اكتسبت القدرة الخليلية شهرتها حتى صارت تنتقل إلى مدن فلسطينية أخرى بل وإلى الشتات الفلسطيني، فانتشرت مطاعمها في القدس ورام الله وغزة وحتى في الأردن والخليج حيث يقيم الفلسطينيون. كما أخذت صدى واسعاً في المطبخ العربي ككل وأصبحت تعرف أحياناً باسم القدرة الفلسطينية، لكنها في الأصل خليلية بامتياز.
أهميتها لا تقتصر على الجانب الغذائي، فهي تجسد بعداً ثقافياً واجتماعياً إذ تجمع الناس حول مائدة واحدة وتعبر عن الفخر بالموروث المحلي، كما تمثل شاهداً على الاستمرارية التاريخية للمطبخ الفلسطيني في مواجهة محاولات الطمس والسرقة.
القدرة الخليلية ليست مجرد وجبة تقليدية، بل تحمل أبعاداً اقتصادية واضحة انعكست على حياة الناس في مدينة الخليل ومحيطها. فهي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالأفران البلدية التي كانت وما زالت من أبرز ملامح المدينة، إذ يشكّل فرن القدرة مصدر رزق لعشرات العائلات التي تخصصت في تجهيز القدور وخبزها وبيعها للزبائن، مما أوجد قطاعاً صغيراً ولكنه متجذر في اقتصاد المدينة.
مكونات القدرة نفسها تمثل دورة اقتصادية محلية، فالاعتماد الأكبر يكون على اللحم البلدي من الغنم الذي يربى في جبال الخليل، وعلى الحمص المنتج محلياً، إضافة إلى السمن البلدي الذي يشتهر به ريف الخليل والقرى المحيطة. كل هذه العناصر خلقت ترابطاً بين الفلاح والراعي وأصحاب الأفران والمتاجر، فجعلت من الطبق حلقة اقتصادية تدعم الإنتاج المحلي وتزيد من قيمته.
كما أن شهرة القدرة جذبت الزوار والسياح إلى مطاعم الخليل، فباتت مورداً سياحياً لا يقل أهمية عن الصناعات التقليدية الأخرى مثل صناعة الزجاج والخزف. وقد أصبحت القدرة علامة تسويقية للمدينة، إذ لا يزور الخليل أحد إلا ويبحث عن تذوقها، مما زاد من حجم الطلب على مكوناتها وعلى الأيدي العاملة في مجال إعدادها وتقديمها.
بهذا المعنى فإن القدرة الخليلية تمثل نموذجاً لكيفية تحول الموروث الغذائي إلى عنصر من عناصر الاقتصاد المحلي، يساهم في تعزيز صمود الناس، ويمنح الهوية الثقافية بعداً عملياً يتجسد في الأسواق والمطاعم والبيوت، ويؤكد أن التراث يمكن أن يكون أيضاً مورداً للتنمية.
من هو أول من طبخ القدرة في الخليل؟
أول من طبخ القدرة الخليلية هو الحاج إسحق سارة القصراوي، صاحب فرن في البلدة القديمة بالخليل في العشرينيات من القرن الماضي، حيث ابتكر الوصفة عندما جاءه ضيوف بشكل مفاجئ وقدم لهم لحماً مطبوخاً في قدر من النحاس داخل فرن حطب، ثم أضاف إليه الأرز والسمن البلدي لضيوفه
توثيق تاريخي للقدرة الخليلية:
ملاحظة
أصل القدرة الخليللة تطبخ في القدور النحاسية وليست الفخارية، وفي غزة يطبخونها في الفخار.
الأصل القدرة الخليلية الأصلية لا تستخدم الثوم ولا الحمص، غنما في بعض الأقطار ومنها غزة فعلوا ذلك.